GMT 17:00:00 2017 الجمعة 19 مايو



فتحت باب الفصل متحمسة لكتابة عنوان جديد في صفحات عمر أطفال شردوا بل سلبوا الأمان وخطفت منهم أرواح ذويهم , فتحت الباب لأبرهن لنفسي بأن الخير لم ينتهي و أن شموع الأمل مازالت تحترق وقادرة على أن تنير جزءاً من هذا الواقع الذي جعل من هؤلاء الأطفال باختلاف اعمارهم واجناسهم  وبلدانهم وطوائفهم اخوة في الجرح والألم .

جلست على الأرض بينهم وفتحت الكراسة لأقرأ على مسامعهم كلمات جديدة , أخذوا يرددون خلفي : " أمل , أمن , أمان " , وملامحهم تتفتح مع كل حرف , إلا طفلة واحدة سمراء بعين ملونة وحزينة جعلتنا نقف ونحاول أن نعيدها من شرودها , ناديت عليها وعادت ببصرها لكنها لم تريد أن تشارك معهم , جعلتهم يكملون وقمت لأحضر ورقة وقلم وطلبت منها أن ترسم , فنظرت إلي ثم أمسكت بالقلم وراحت ترسم شيئاً كبيراً أخذت الورقة بعد أن انتهت منها لأنظر فيما كانت تفكر , فإذا بها قد رسمت حمامة كبيرة , سألتها : لماذا ؟ّ!
فأخبرتني بأنها تتمنى لو أنها تصبح طائراً حتى تفرد جناحيها وتلحق بوالديها واخوتها وتكون بينهم تنظر إلينا من السماء , عجزت كلماتي ولم أجد سوى تلك الدموع التي لامست كفيها وأنا أمسك بها بقوة , كيف أشرح لها الآن أن من حقها أن تحيا بأمان وأن هناك يوم قادم سيأتي مصطحباً معه حرية الوطن المفقود , وأنها ستعود وستتوسد أرضه وتتلحف بسمائه التي ستصفو عما قريب  .
حاولت أن أصحبها من خلال كلماتي إلى المستقبل  فواجهتني واقعها  الموجع قائلة : وإن عاد الوطن فليس لي به أي أهل , ولا أي منزل . 

طفلة لم تتعدى العاشرة .. هي كل شيء لنفسها ودون وطن .. ماذا يمكن أن أعلمها سوى أن تقرأ ؟, أردت بهذا الفصل أن أعرفهم على معنى كلمة " أمل " فتعرفت أنا من خلالهم على معنى الألم الحقيقي الذي يمكن أن يصاب به الإنسان .

انتهى الأسبوع وسنعود إلى وطننا  , فقد وزعت المساعدات وفتحت الكتب ووزعت الهدايا ورسمنا الابتسامة بقدر المستطاع , حاولنا أن نساهم ولكن تبقى تلك القضية كجرح مفتوح , لذا خرجت من مكانهم وأنا أعتذر بيني وبين نفسي منهم لأنني أعجز عن وضع الحل واجتهدت بتسكينه ولو بفرحة صغيرة .. بكلمة طيبة , بلمسة دافئة وضمة تسكب شيئاً من الحنان الذي فقدوه , لكن تلك الطفلة لازلت تتمنى لو أنها حمامة .