هكذا تكون مشاهدة الأفلام'

1'

GMT 4:27:00 2017 الأحد 6 أغسطس

اختارت الناقدة السينمائية آن هورناداي عنواناً مناسباً لكتابها الجديد الذي تروي لنا فيه ما يحدث وراء الكواليس في كتابة الفيلم وتمثيله وتصميمه وتصويره وتحريره واختيار موسيقاه واخراجه. 

نطَّلع في كتاب هورناداي Talking Pictures – How to Watch Pictures "صور ناطقة ـ كيف نشاهد الأفلام" ،  على افكار كاتب السيناريوهات والمخرج كنيث لونرغان عن اللغة السينمائية والحوار ، ونقرأ تأملات جاك ليمون عن فطرة مارلين مونرو التمثيلية ، وآراء ايليا كازان بشأن تنظيم الانتاج السينمائي ، وموقف سبايك لي من فن السينما.  وما هذه إلا البداية. تقول هورناداي في مدخل كتابها انها تأمل بأن يساعدنا على الاستمتاع بالكم الهائل من التفاصيل التي تدخل في صناعة الفيلم.  وهي تنوه باستمرار الى ان الكتاب ضروري لأن تفاصيل العمل الذي يجري وراء الكواليس قبل تقديم الفيلم الى الجمهور ، تفاصيل ليست مرئية في المنتوج النهائي.  
وتوضح المؤلفة ان الجمهور لا يحتاج الى ان نعرف حجم البحث الذي يجريه الممثلون لصنع العوالم التي تسكن الشاشة بل يحتاج الى دخوله معهم مشيرة الى ان أفضل المؤثرات البصرية هي التي لا نلاحظها بالمرة.  كما ان تصميم الانتاج يبقى غير مرئي.وتتيح الكاتبة للقارئ القاء نظرة من الداخل على ما يمر عادة دون ان ننتبه اليه.  وهي تبدأ باستكشاف جوانب السيناريو قائلة هو "الوثيقة التأسيسية لكل فيلم". وتسوق هورناداي مثالا على مهارة الكتابة السينمائية هو سيناريو فيلم فرانسيس فورد كوبولا المترع بالمعلومات ، "العراب".  إذ ينتقل النص بين الحوارات المكتومة في مكتب دون كورليون ذي الانارة الخافتة والدردشة الحية في حفلة زفاف تحت أشعة الشمس حيث يصل مايكل مع صديقته الجديدة كاي وعليه ان يشرح لها غرابة المهنة التي تمارسها عائلته قائلا خلال الحديث "ان هذه عائلتي وليست أنا".  
وتقول هورناداي ان كوبولا يقدم عائلة كورليون بوضوح واختصار حتى انه تأكد من سيرنا متشوقين مع أي رحلة يأخذها افراد العائلة.  ويكتب الناقد السينمائي بول ماكارين ان كل فصل في كتاب "صور ناطقة" موزع على اقسام قصيرة تبدأ بأسئلة بسيطة.  وان بعض اجاباتها تبدو بديهية مثل قولها "ان الفيلم لكي ينجح يجب ان نؤمن به" ولكن غالبية افكارها تُغني الموضوع بأفكار جديدة. وتقول المؤلفة ان كاتب السيناريوهات غيليرمو ارياغا لا يولي خلفيات شخصياته اهتماماً وان غياب هذه التفاصيل اسفر عن عدم مصداقية في افلامه.   وتنقل هورناداي آراء سينمائيين آخرين لدعم معلوماتها.  وعلى سبيل المثال تنقل عن الممثل سبنسر تريسي قوله "تأتي الى العمل في الوقت المحدد حافظاً حصتك من السيناريو ولا تصطدم بالاثاث" بسبب الدوخة من سهرة الليلة السابقة ، وعن الممثل السير اليك غينيس قوله "لكي تكون عندك مهنة في السينما فان الأكثر حكمة ألا تفعل أي شيء على الاطلاق وهذا ما فعلته أنا ، بهذا القدر أوذاك". 
وعن الافلام الهابطة قول الفريد هتشكوك انها "صور اشخاص يتكلمون" وعن الاخراج قول الان باكولا "لسبب غريب أبدو دائماً اكثر موهبة حين أعمل مع الأشخاص الأكثر موهبة". تستعرض هورناداي بوضوح الخيارات الابداعية التي تنجح وتلك التي لا تنجح.  وهي تلاحظ ان المخرج كريستفور نولان معروف بالتغطية على الحوار بمؤثرات صوتية تكون نتيجتها "استفزازية في أحسن الأحوال وكلاماً غير مفهوم في اسوئها".  وعلى النقيض من نولان فان المخرج روبرت آلتمان أصبح  استاذ "الواقعية في الصوت" بابتكاره طريقة تمنع الحوار المتداخل من التحول الى لغو. وتكثر المؤلفة احياناً من ذكر الأسماء في قوائم ولكن غالبية قوائمها تتضمن تلميحات مفيدة مثل قولها "لاحظوا كيف يعمل هذا الطاقم ثم قارنوا عمله بأساليب تلك المجموعة الأخرى". لا تقتصد هورناداي في التفاصيل التقنية مثل الحديث عن لقطة الدبل دولي double dolly التي تعني استخدام كاميرا على حامل ثلاثي مثبت بدوره على عربة تنزلق على سكة أو الزاوية الهولندية التي يكون خط الأفق فيها مائلا وجهاز "ستيديكام" لتثبيت الكاميرا ، ولكنها تقدم هذه المعلومات في حكايات عن افراد يجربون هذه العناصر التقنية. كما تشدد الكاتبة على مهارات غير تقنية مثل الارتجال وتعطي دور الحظ ما يستحقه من أهمية.  وهي تروي لنا ان لقطة شهيرة في فيلم "غودفيلوز" عن عالم العصابات / بدخول البطل نادياً ليلياً من باب جانبي ، كانت نتيجة ارتجال من المخرج مارتن سكورسيزي حين أُبلغ بصورة مفاجئة انه لا يستطيع التصوير في مدخل النادي الأمامي.    
ولقطة في فيلم "حقل الاحلام" لاختفاء احد الشخصيات في حقل ذرة يلفه الضباب حدثت لأن ضباباً كثيفاً حقيقياً انتشر فجأة في الحقل حيث كان يجري تصوير المشهد في ضربة حظ تؤكد رأياً نقلته عن اورسون ويلز بأن دور المخرج هو "قيادة الحوادث".  
تقول هورناداي في الخاتمة ان تقدير الفيلم السينمائي يتلخص في السؤال التالي: هل كان الفيلم يستحق الجهد المبذول في صنعه؟ ولعل كتابها يساعد جمهور السينما على طرح هذا السؤال والاجابة عنه.  ومن الجائز ان يكتشفوا انهم اكتسبوا هذه القدرة في المرة المقبلة التي يشاهدون فيها فيلماً.  
 
 مصدر المقال:
http://www.washingtonindependentreviewofbooks.com/bookreview/talking-pictures-how-to-watch-movies