التنمية تفقد معناها بعيدًا عن تمكين المواطن'

تتحقق التنمية الاجتماعية من خلال تدعيم تفاعل المواطنين لاسيما الفقراء'

GMT 4:00:00 2017 السبت 12 أغسطس


إيلاف: رأى الباحث سامح فوزي؛ نائب رئيس قطاع المشروعات والخدمات المركزية في مكتبة الإسكندرية، أن هناك جملة من الأسباب التي تفسر نشوء الحركات الاجتماعية، منها تراجع قدرة منظمات المجتمع المدني في بلورة قضايا الجماهير الحقيقية، وتمدد قوى السوق في المجال العام عن طريق التزاوج بين السلطة والثروة، أو دخول رجال الأعمال الحقل السياسي، مما شكل في ذاته دافعًا للاحتجاج لدى قطاعات من المواطنين، خاصة بعدما شعروا بأن هذه العلاقة الجديدة بين المال والسياسة أضرّت بمفهوم المصلحة العامة، ونشرت أنماطًا من الثقافة الاستهلاكية، وأدت إلى الإفراط في استخدام المال في الحياة السياسية. 

مواطنية ديناميكية
يضاف إلى ذلك، بحسب فوزي، حدوث اضطراب في النظام الاجتماعي، مما أدى إلى حالات تفسخ اجتماعي وبطالة، وخوف من المستقبل، واضطراب في الهوية، وشيوع حالة من الاغتراب لدى فئات من المجتمع، سواء في أسفل السلم الاجتماعي أو في منتصفه. كل ذلك دفع قطاعًا من المواطنين، وخاصة الشباب، إلى الترابط بين مكونات المجتمع الذي يعاني من تفكك، من خلال اكتشاف روابط جديدة في إطار الحركات الاجتماعية، على نحو يختلف عن شكل الروابط الاجتماعية التقليدية.
 

المواطنة مرتبطة بتحقيق المساواة

وقال سامح فوزي في كتابه "التنمية... تجربة تمكين "المواطن"" إن الحركات الاجتماعية الجديدة تمثل مجالًا رحبًا لإعادة تجديد المواطن والوطن، فقد ضخّت هذه الحركات، سواء كانت سياسية أو مطلبية اجتماعية، الحيوية في شرايين المجتمعات، التي أوشكت على التيبس، وفي الوقت نفسه أشعرت المواطن بأن مواطنته لم تعد سكونية، صامتة، ورقية، نصية في الدساتير والقوانين، لكنها فاعلة، متحركة، ديناميكية، تعبّر عن نفسها بالاحتجاج، إما على تلكؤ الإصلاح الديمقراطي، أو على رفض الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وأكد فوزي أن الدولة هي المسؤولة عن وضع الإطار القانوني، والضوابط المؤسسية، والهياكل والأبنية التي تضمن مشاركة المواطن في الشأن المحلي، وذلك ضمانًا لتحقيق الديمقراطية من ناحية، وتدعيم جهود التنمية من ناحية أخرى. وبالتالي فإذا تم استدعاء المواطن بشكل دائم في أمور تتعلق بواقعه المحلي، فلن نكون بحاجة إلى كثرة الحديث عن الديمقراطية والتنمية؛ لأنها سوف تتحول إلى جزء من ممارسة المواطن اليومية.

ربط المفاهيم
سعى فوزي في دراسته الصادرة ضمن سلسلة "مفاهيم التنمية"، تحت عنوان "التنمية: تجربة تمكين المواطن"، إلى الوصول إلى صورة متكاملة للمجتمع الديمقراطي التنموي، من خلال ربط المفاهيم التي تبدو متباعدة مثل: المواطنة، والتنمية، والمشاركة، والمجال العام، والمجتمع المدني، وقدرة الدولة، وغيرها.
 
قسم فوزي الدراسة إلى ثلاثة أقسام؛ تناول الأول منها والمعنون بـ "معنى التنمية المتغير" الإرهاصات الأولى لنشأة مفهوم التنمية وتطوره، حيث إن التنمية مصطلح ديناميكي لا يسير بمفرده، بل يرتبط بمفاهيم اجتماعية أخرى، مما يكسبه شكلًا ومضمونًا مغايرًا من وقت إلى آخر، لكن يظل الهدف الأساسي منه هو التغيير إلى الأفضل. 

وبالتالي ركز هذا الجزء على فكرة "خروج الفرد من دائرة التهميش إلى التمكين"، باعتبارها الهدف المرجو من التنمية في مختلف مراحلها ومساراتها، وذلك من خلال تطوير قدرات المواطن، وتمكينه سياسيًّا، وتنوير ذهنه. في هذا الصدد ترى الدراسة أن البحث في "التنمية" هو الوجه الآخر للبحث في "المواطنة"، كلاهما متلازمان؛ ففي الوقت الذي تتنوع فيه أبعاد التنمية، تتعدد كذلك أبعاد المواطنة، ويتلاقى المفهومان معًا في نهاية المطاف، لتحقيق غاية واحدة هي تمكين المواطن من ممارسة حقوقه، كما يصعب أن تتحقق المواطنة في معناها الشامل إلا في ظل وجود تنمية شاملة.

محددات تمكين المواطين
هنا حدد فوزي ست نواحي أساسية لتمكين المواطن؛ أولها التنمية الاقتصادية، ويُقصد بها رفع مستوى معيشة الأفراد، والحصول على نصيب عادل من ثروات المجتمع، وزيادة الدخول وتوفير فرص عمل. وثانيها التنمية البشرية، وتعني بناء القدرات البشرية من خلال التعليم، والصحة، والتدريب. وثالثها التنمية السياسية، وتتمثل في رفع مستوى الوعي السياسي، والمشاركة السياسية، وتأسيس منظمات المجتمع المدني، والانخراط في العمل العام، واحترام حقوق الإنسان. 

ورابعها التنمية الاجتماعية، وتتحقق من خلال تدعيم تفاعل المواطنين، ولاسيما الفقراء، من خلال روابط، وجماعات، وتتولد بينهم قيم تشكل عملية التنمية، أبرزها التضامن، والثقة، والاحترام المتبادل. وخامسها التنمية الثقافية، وهي تطوير القدرات الذهنية للأفراد في فهم الواقع، والتعامل معه، ورفع مستويات الحوار الثقافي في المجتمع. وسادسها التنمية الإدارية المتمثلة في الحد من الروتين، وتطوير قدرات الأجهزة الإدارية، ومكافحة الفساد، ونشر ثقافة المساءلة والشفافية، وارتفاع مستوى الحساسية لمطالب المواطن اليومية.
 
وقال فوزي إن "يصعب تحقيق المواطنة في معناها الشامل إلا في ظل وجود تنمية شاملة.. هناك مواطنة اقتصادية تعنى بقضايا اقتسام الثروة، والعدالة الاجتماعية. هناك كذلك مواطنة سياسية تتصل بمباشرة الحقوق السياسية والمشاركة، واحترام حقوق الإنسان. وهناك مواطنة قانونية تتعلق بالمساواة أمام القانون بصرف النظر عن الاختلاف في اللون أو الجنس أو الدين أو الثروة. وهناك مواطنة ثقافية تمسّ جوانب عديدة؛ مثل: الهوية، والحق في التعبير، واحترام حقوق المختلفين نوعيًا ودينيًا، وتحقيق العدالة الثقافية بين الأجيال وكذلك بين أقاليم الدولة المختلفة... إلخ".

خيط رفيع
أضاف إن "التنمية تحقق المواطنة.. التنمية السياسية تحقق المواطنة السياسية، والتنمية الاقتصادية تحقق المواطنة الاقتصادية، والتنمية الثقافية تحقق المواطنة الثقافية، والتنمية البشرية والإدارية تساعد على تحقيق الكيان الإنساني للمواطن، مما يمكنه من تحقيق المساواة المنشودة. هذه هي المواطنة، وهذه هي التنمية، ولا يفصل بينهما سوى خيط رفيع؛ فمن ناحية تحتاج المواطنة أساسًا تنمويًا يحققها، ووعيًا اجتماعيًا وسياسيًا يصونها، ويقوّي دعائمها، ويحوّلها ممارسة أكثر من كونها نصًا دستوريًا، وتؤدي التنمية - من ناحية أخرى - إلى تحويل الشخص من "متلق" إلى "فاعل"، من "مهمش" إلى "مشارك"، وهو ما يحقق المواطنة الفاعلة.

تطرق فوزي في القسم الثاني من دراسته، وتحت عنوان "إعادة اكتشاف المواطن"، إلى ثلاثة مصطلحات وثيقة الصلة بالمواطنة هي: المساواة، والحقوق، والمشاركة. 

ويبيّن هذا القسم أن أي مشروع تنموي لا يتمحور حول المواطن يفقد معناه، وفي هذا الصدد عرَّفت الدراسة المواطنة على أنها حركة مواطنين على أرض الواقع، ترتبط بتحقق المساواة، والحقوق، والمشاركة، وتتفرع منها أبعاد كثيرة، مثل حق كل مواطن في الحصول على فرص متساوية لتطوير جودة الحياة التي يعيشها، بما يتطلب توافر الخدمات العامة للمواطنين، وخاصةً الفقراء والمهمشين، وإيجاد شبكة أمان اجتماعي لجميع الفئات المستضعفة في المجتمع، وأن يظل لها صوت في التأثير على السياسات العامة، وتتضمن المواطنة كذلك حق كل جماعة من المواطنين في التعبير عن نفسها ثقافيًّا، خاصةً إذا كان لها نسق ثقافي فرعي مغاير للثقافة العامة السائدة، يتطلب ذلك احترام الثقافة العامة للمجتمع في ضوء الاعتراف بالخصوصيات الثقافية، والتنوع بين المواطنين.

خامل، صاخب ومشارك
صنَّف فوزي المواطنين إلى ثلاثة أنواع؛ أولها "المواطن الخامل" الذي يعيش في الظل، وتعتبره الحكومة أو النخب المسيطرة اقتصاديًّا "مريضًا" يحتاج دواء، لا يحق له المشاركة، كل ما يشغل الحكومة سد احتياجاته الأساسية، وهو التصور نفسه الذي يسكن في ذهن المواطن الخامل. 

ثانيها "المواطن الصاخب"، يتمتع بحرية الكلام من دون امتلاك القدرة على التغيير، وتسعى الحكومة أو النخب المسيطرة اقتصاديًّا إلى تزييف وعيه بالمعلومات، وتشغل تطلعاته بالوعود الوهمية، وتحشده خلف شعارات عريضة من دون أن تكون لديه القدرة على معرفة ما تقوم به الحكومة، وماهية الخطط والبرامج العامة، فضلًا عن مساءلة القائمين عليها، وقد تسكن الرغبات داخله ببعض المكاسب المحدودة التي لا تغير مجمل الأوضاع البائسة التي يعيش فيها. 

ويُلاحظ هنا أن استطلاع آراء المواطنين يتحول إلى غاية استعراضية ليست لها وسيلة لتعميق مشاركة المواطن في السياسات العامة. أما النوع الثالث والأخير فهو "المواطن المشارك"، الذي يمثل صوته قيمة للمجتمع، فضلًا عن امتلاكه قوة التغيير فهو يتشارك مع السلطة في وضع، وتنفيذ، وتقييم المشروعات العامة، ويطلع على المعلومات الأساسية المرتبطة بها، ويقوم بمساءلة القائمين على إدارتها.

وصول المهمشين
وقال فوزي إن "ممارسة المواطنة لن تتحقق إلا في ظل "مجال عام" يسمح بذلك، وفي هذا الصدد عرفت الدراسة "الـمجال العام" على أنه الفضاء الحيوي المتاح للأفراد لممارسة نشاطهم السياسي، والاجتماعي، والثقافي. يتطلب ذلك أن يكون الفضاء العام مفتوحًا أمام جميع المواطنين، يمارسون فيه حركتهم بحرية، يعلنون فيه عن برامجهم وتصوراتهم من دون حظر، ويحصلون جميعًا على نصيب واسع من حرية التعبير عن أنفسهم. لا يختطفه تيار أو قوى سياسية بعينها، تستأثر به وحدها، وتبعد سائر القوى الأخرى عنه، وعندما يكون المجال العام مفتوحًا يعني أن بإمكان المواطنين أن يعبّروا عن رؤاهم السياسية، ولا يصادر عليهم أحد، وتصل أصوات مهمشة إلى الدوائر المؤثرة في الرأي العام، بمفردها أو من خلال ما تنتمي إليه من تيارات إلى صانع القرار، وتسود حالة من الحيوية السياسية والفكرية".
 
مسألة "توسيع فضاء المواطن" كانت محور القسم الثالث والأخير من الدراسة، حيث أشار فوزي إلى أن المواطن يحتاج فضاء أو مساحة يتحرك فيها حتى تتحقق مواطنته من خلال المشاركة في مبادرات التنمية بمعناها الواسع: صناعة القرار، المشاركة في التنفيذ، التقييم والمساءلة. 

وعن السبب الرئيس وراء انتشار الدعوات التي تطالب بتوسيع فضاء المواطن، قال فوزي إن "معاناة بعض الدول - لاسيما الدول الساعية نحو تحقيق الديمقراطية - من انسداد أفق أمام المواطن قد أدى إلى انخفاض معدلات المشاركة، وتفشي الشعور بأن هناك تآكلًا في الالتزام الجماعي للمواطنين بتحقيق المصلحة العامة، وهو ما يشكل حجز الزاوية في أي ديمقراطية صحية.

في هذا السياق أكد فوزي أن مشاركة المواطن لا تحدث في فراغ، أو تشكل تعبيرًا تلقائيًّا عن رغبة حكومية وقتية، ولكن ينبغي أن تكون وفق قنوات مؤسسة واضحة، تضمن تفعيل مشاركة المواطن في صنع الميزانية العامة، وتنفيذ المبادرات والمشروعات التنموية، والرقابة والمساءلة.

تحدي الوعي
ولفت فوزي إلى أكثر من تحدّ يواجه المواطن للمشاركة، أهمها أن المواطن والروابط والمنظمات والشبكات المعبّرة عنه تواجه تحديات عديدة، أبرزها القدرة على التوصل إلى مجموعة صغيرة من المواطنين لديهم الوعي، والإمكانات، والتواصل مع المجتمع المحلي، والجهات الحكومية، وكذلك التعامل مع الضغوط الحكومية؛ حيث تميل المؤسسات الحكومية إلى التشكيك في "شرعية" الممثلين عن المواطنين إذا اختلفوا مع توجهاتها، أو سجلوا اعتراضهم على مشروع ما.. 

ومن ناحية أخرى، فإن المواطن يواجه تحديًا يتعلق بأهمية "تداول التمثيل"، و"توسيع قاعدة تمثيل المواطنين". وهو ما يصادف دائما إشكاليات تتعلق بالاختيار، والقدرة على إيجاد العناصر الواعية القادرة على التعبير عن احتياجات المجتمعات المحلية، ومواجهة التحديات التي قد تثيرها جماعات مصالح أقل عددًا وأعلى صوتًا، والتواصل مع كل المؤسسات، حكومية أو غير حكومية. 
وفي كل الأحوال ينبغي أن يدرك المواطن خاصة في المجتمعات التي ليس لها رصيد من الممارسة الديمقراطية، ولديها خاصة ميراث من الخبرة الاستبدادية، أنه ينبغي التواصل مع القيادات المؤمنة بالإصلاح داخل المؤسسات العامة حتى يتمكنوا من خلق المساحات المرغوبة أمام المواطن.