رحيل بدري حسون فريد.. استاذ المسرح '

1'

رحيل بدري حسون فريد.. استاذ المسرح '

بدري في مسرحية عدو الشعب في بغداد'

GMT 23:59:00 2017 الجمعة 17 نوفمبر
نعت الاوساط الفنية والثقافية في العراق رائد المسرح العراقي الفنان الكبير (بدري حسون فريد) الذي وافاه الاجل مساء الجمعة في أحد مستشفيات مدينة أربيل عن عمر ناهز الـ ٩٠ عاما، بعد صراع مع الشيخوخة والمرض امتدت لاشهر عديدة لاسيما بعد اصابته بجلطة دماغية مفاجئة في شهر تموز / يوليو الماضي اثرت بشكل كبير على صحته.
 
ويعد الفنان الراحل واحدا من كبار فناني العراق الذين يشار اليهم بالموهبة والابداع والسيرة الفنية الطيبة ، وان ابتعد عن العراق لمدة 15 عاما ، وقد غادر العراق في نهاية عام 1995 ليستقر  في المغرب حيث عمل مدرسا لمادة التمثيل في جامعة الرباط، وعاد الى بغداد عام 2010 لكنه لم يستقر فيه طويلا لظروفه الصحية فسافر الى اربيل لتكون المحطة الاخيرة في حياته التي رافقته فيها زوجته الفنانة ابتسام مغازجي .
بدري حسون فريد - سيرة وعطاء
وللراحل سيرة فنية غنية بالاعمال المسرحية والتلفزيونية والسبنمائبة والاذاعية والاكاديمية ، تمتد الى عام 1946 ، ويعتبر الخريج الأول من معهد الفنون الجميلة من مدينة كربلاء عام 1955 وقد اقتصر نشاطه الرئيسي في العاصمة بغداد، ويذكر عنه انه كان دقيقاً ومخلصاً ومتفانياً في عمله, حتى أنه باع في يوم ما سجادة (زولية) من البيت كي يقدم مسرحية! كانت حياته كلها للمسرح.. كانت أعماله تسبب له مشاكل مثل الاعتقال، وفي بيته يحتفظ ببطانية ووسادة مع كل عرض مسرحي.
ولد الراحل في 15 نيسان/ ابريل  1927 ولد في محلة العباسية بمدينة كربلاء، كان والده خياطا يحب الموسيقى والأزهار وكل شيء ممتع وجميل ، ويقال أنه أول من أدخل جهاز كرامفون من بغداد إلى كربلاء ومنه صدحت أصوات مطربين عراقيين وعرب، كان لوالده علاقة صداقة وثيقة مع والد الفنان الرائد الراحل المسرحي حقي الشبلي، أي أن والد الفنان بدري كان جنديا عند والد الشبلي أيام ثورة العشرين، من خلال هذه العلاقة توطدت علاقة والده بالفنان الشبلي نفسه.
   أول مسرحية شاهدها بدري بمصاحبة والده كان عنوانها (السلطان عبد الحميد) تقديم فرقة حقي الشبلي وإخراج الشبلي ، عرضت في خان القطب وسط مدينة كربلاء القديمة عام 1933 وعمره لم يتجاوز الست سنوات، بعد أربع سنوات أي في سنه العاشرة الموافق عام 1937 شاهد عرضا مسرحيا قدمته المدرسة الفيصلية بعنوان (الطيش القاتل) إخراج الفنان قاسم محمد نور، كان تأثيرها كبيرا في نفسيته خلال تكوين شخصيته الفنية .عاش في بيت والده المتزوج من أربع نساء، بدأ شعوره بحساسية الآلام النفسية التي تعيشها الزوجات و الأطفال، جراء تسلط الأب، كان واحدا من عشرين شقيقا يجمعهم بيت واحد، وما زاد في صعوبة الحياة في هذا البيت شخصية الأب ــ القهرمان ــ كما يسميه بدري حسون فريد، التي كانت تجمع بين القسوة والحنان ... المحبة والأنانية ... قوة الشخصية, كان (بدري) ضعيف الإرادة ... منذ صغره أصبح جسمه مرتعا لأمراض كثيرة، امتصته حتى اقتربت به إلى الموت، لذلك فقد نشأ طفلا، خائفا، مرتعدا، يحس بالانهيار النفسي، خلاصه الوحيد أن يهرب من البيت ومعاركه وهمومه ومشاكله وقسوة الأب (القهرمان) ليلجأ إلى الحدائق العامة، يعيش مع أقرب شجرة أو نبته أو زهرة ...
الشيء الوحيد والمهم الذي إستفاده ــ بدري حسون فريد ــ من حياته في ذلك البيت، حب والده للفن، وذوقه الفني الذي جعله يحرص أن يكون بيته متحفا شرقيا أصيلا يضم مئات الصور واللوحات والتماثيل والديكورات، إضافة لاقتنائه مئات الأسطوانات الموسيقية والغنائية ... باللغات العربية والفارسية والتركية والهندية ... ليس هذا فقط وإنما كان حبه للفن يدفعه لحضور جميع عروض الفرق المسرحية التي كانت تزور كربلاء في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، وعلى الأخص فرقة حقي الشبلي وعبد الله العزاوي ويحيى فائق وغيرها من هذه الفرق، كان بدري يحضر هذه العروض مع والده الذي كان يصطحبه معه، لأنه كان يكن له اهتماما خاصا بالنسبة لأشقائه الآخرين.
يقول بدري حسون فريد: منذ تلك الفترة أحببت الفن وعشقته عشقا ملك حياتي، لا أدري لماذا عشقت الفن هكذا وبقوة ، ربما لآني أردت التنفيس عن مشاعر الحرمان التي كنت أعيشها في طفولتي، أو الهرب من الدراما الحياتية التي كنت أشاهدها تمثل يوميا في بيتنا ، أو ربما للتعويض عن ضآلة جسمي، وضعف شخصيتي في طفولتي، أو ربما كان الجو الديني والطقوس التي تؤدّى في عاشوراء بمدينة كربلاء وما كان يصاحبها من رفع المشاعل والأعلام الملونة وترديد الأهازيج وتمثيل مأساة الحسين (عليه السلام)، هو الذي حرك خيالي الفني وأشعل في نفسي مشاعر الدراما وكون لي مخيلة درامية جعلتني أرتبط بالمسرح.
  كانت بداياته الأولى رساما ونحاتا وكتابة الشعر والقصة والتمثيل وفي الآخر ترك كل تلك الفنون وانصرف للمسرح (التمثيل)، عطاؤه كثير ملأ الساحة العراقية والعربية من خلال الوسائل الفنية المختلفة منها: ـشارك في مدينته كربلاء من خلال دراسته الابتدائية والثانوية في معظم النشاطات الفنية وخاصة المسرحية في مراحل ثلاثينات وأربعينات وخمسينات القرن الماضي والموضحة تفصيليا في عروض الفترة المذكورة تباعا .انتقل إلى بغداد طالبا في كلية الحقوق، عمل مع فرقة جمعية بيوت الأمة مع الفنان الكبير الراحل جعفر السعدي عام 1946 لغاية 1947،التحق بمعهد الفنون الجميلة في السنة الدراسية 1950 ـ 1951 وفي نفس الوقت كان يزاول نشاطه الفني في الفرقة الشعبية للتمثيل مع الفنان جعفر السعدي وجاسم العبودي.
  سافر عام 1961 إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال دراسته العليا في جامعة شيكاغو, معهد شيكاغو الفني، وحصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير وكان ترتيبه الأول على دورته، قدم هناك أعمالا كبيرة و عالمية على المسارح الأمريكية منها مسرحية (الطريق إلى الهند) شاركه في التمثيل الفنان الراحل ابراهيم جلال, كانت من إخراج المخرج الأمريكي جالرس ماكو، ثم كان له دور البطولة في مسرحية برنادشو (المليونيرة) التي أخرجها د. جون رايخ عام 1963 ومسرحية (الأم الشجاعة) إخراج جو سلوك عام 1964، ثم مسرحية (أنا كارنينا) إخراج مدام ليان و مسرحية (كريسيتفورسين) إخراج رايخ، إضافة لأدوار كثيرة في مسرح الاستوديو.
كانت اطروحة البكالوريوس إخراج مسرحية (رحلة طويلة عن الوطن) ليوجين أونيل عام 1964 أما اطروحة الماجستير مسرحية (الشارع الملكي) ـ تأليف ـ تنسي ويلمز عام ١٩٦٥،ومن شيكاغو عاد الى بغداد عام 1965 والتحق بمعهد الفنون الجميلة ليدرس الإخراج والتمثيل والصوت والإلقاء، ثم انتقل عام 1970 ـــ 1971 للتدريس في اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد.
*الأعمال المسرحية في الولايات المتحدة الأمريكية : ـ
مدينتنا ثورتن وايلدر ممثل + مدير مسرح 2/1962
الدب ــ تشيكوف جوسلوك سميرونوف 62/1963
الطريق الى الهند ماكو القاضي الهندي 13/11/1963
كريستوفر 20 جون رايخ ملك الهنود الحمر 10/2/ 1963
المليونيرة برنادشو الطبيب المصري 20/10/1963
سور الصين-ماكس فرش باتريك هنري د.هينغيان 5/5/1963 
رحلة طويلة الى الوطن يوجين اونيل اطروحة الاخراج- البكالوريوس 23/3/1964
الام الشجاعة بريخت جوسلوك الكولونيل 17/5/1964
مجنونة شايو جان جيرودو جون رايخ رجل المجاري 18/10/1964
فودفيل ايجن لابش و مار ميشل روبرت فينكولد زوج مخدوع 20/12/1964
the trysing place by booth tarkingon اخراج تطبيق عملياواخر 1964
هو الذي يصفع ليونيدا ندرييف وليم بابس البارون 11/1/1965
الشارع الملكي- تنسي ويلمز-مشروع تخرج في معهد كودمان لنيل الماجستير 22/2/1965
انا كارنينا تولستوي لينا تنفج وجوسلوك الفلاح الروسي 2/5/1965
الاعمال المسرحية في العراق : ــ
مسألة شرف عبد الجبار توفيق ولي إخراج لفرقة المسرح الفني الحديث 1967 
عدو الشعب هنريك ابسن اخراج لمعهد الفنون الجميلة 7/ 4/1967
الساعة الاخيرة ميخائيل سبيستيان اخراج لفرقة المسرح الشعبي 18/4/1968
بيت أبوكمال بدري حسون فريد اخراج لفرقة المسرح الشعبي 21/2/1969
الحصار عادل كاظم إخراج للفرقة القومية للتمثيل 16/1/1971
الطوفان عادل كاظم ابراهيم جلال 2 /1972
مركب بلا صياد اليخاندروكاسونا اخراج لأكاديمية الفنون الجميلة 31/3/1973
نشيد الأرض بدري حسون فريد محسن العزاوي
تقديم الفرقة القومية للتمثيل 1/1/1974 
بطاقة دخول الى الخيمة عبد الأمير معلة اخراج للفرقة القومية للتمثيل 7/4/1974
الجرّة المحطمة هاينريش فون كلايست إخراج لأكاديمية الفنون الجميلة 15/4/1975
الأشجار تموت واقفة اليخاندروكاسونا إخراج للفرقة القومية للتمثيل 1/2/1977
بضاعة عند الطلب بدري حسون فريد اخراج لفرقة الخنساء اتحاد النساء 19/4/1979
التقرير بدري حسون فريد اخراج للفرقة القومية للتمثيل 6/1979
هوراس كورني ترجمة يوسف محمد رضا اخراج للفرقة القومية للتمثيل 1/4/1987
جسر آرتا جورج ثيوتوكا إخراج للفرقة القومية للتمثيل 20/3/1990
الاعمال المسرحية في العراق : ــ
جسر آرتا جورج ثيوتوكا إخراج للفرقة القومية للتمثيل 20/3/1990
الحاجز بدري حسون فريد إخراج لكلية الفنون الجميلة 16/1/1994
خطوة من ألف خطوة بدري حسون فريد إخراج لكلية الفنون الجميلة 16/1/1994
ردهة رقم 6 إعداد بدري عن جيكوف إخراج لكلية الفنون الجميلة 27/3/1994
الخاطف والمخطوف بدري حسون فريد إخراج لكلية الفنون الجميلة 28/3/1995
الأعمال التلفزيونية : ــ 
قدم نفسه للشاشة الصغيرة كممثل في العديد من المسلسلات التلفزيونية منها : ـالحسن بن الهيثم ، عزالدين القسام ، حلم ليلة شتاء ، الأسود والأبيض ، كتاب فصل ، رسالة من بلادي ، الذئب وعيون المدينة ، النسر وعيون المدينة ،
 الاعمال السينمائية : -
 وحسب الناقد السينمائي مهدي عباس : رحلة الفنان فريد مع السينما العراقية اثمرت ستة أفلام فقط خلال ثلاثين عاما !!، اول أفلامه هو فيلم ( ارحموني - 1958 ) للمخرج الراحل حيدر العمر وادى فيه دور إبراهيم الشاب اللعوب المستهتر الذي يسلب بطلة الفيلم شرفها ,, في عام 1962 ظهر في فيلم كامل العزاوي ( نبوخذ نصر ) بدور احد القادة ثم منحه المخرج الكبير صلاح أبو سيف دور المثنى بن حارثة الشيباني في فيلم ( القادسية - 1981 ) واداه بشكل مميز ,, في عام 1985 ظهر في افضل ادواره على الشاشة الفضية في فيلم المخرج السوري محمد منير فنري ( العاشق ) حيث أدى دور الضابط البريطاني الحاكم بشكل مميز استحق اشادة الجمهور والنقاد،في عام 1988 منحه المخرج الكبير فيصل الياسري دورمسيو بومارشيه رجل الاثار الفرنسي في الفيلم العراقي المصري المشترك ( بابل حبيبتي ) مع هند كامل ويحي الفخراني واحمد عبد العزيز ،المحطة السينمائية الأخيرة كانت عام 1988 أيضا مع المخرج الكبير محمد شكري جميل وفيلم ( عرس عراقي ) عن سيرة عروس مندلي الشهيرة ابان الحرب العراقية الإيرانية.
 شهادات الرحيل
قال الفنان راسم منصور : رحل أعظم سلوك مسرحي عراقي،رحل المعلم .. والقائد، رحل الرجل الذي حياته تشبه عرضاً مسرحياً فذاً لن يتكرر ،رحل أستاذي الذي تأثرت به كأني لم أتأثر بفنان مسرحي غيره،رحل الذي لن تنجب مثله خشبات وكواليس المسارح،رحل العظيم ( بدري حسون فريد ).
واضاف : عزائي لأصدقائي حيدر وفريد أبنائه، وقبلهم عزائي للآرواح المسرحية العظيمة ولشعب أنجب هذا الفذ وللأنسانية جمعاء.
 
اما المخرج المسرحي كاظم نصار  فقال عنه : منذ التسعينيات انسحب من الحياة المسرحية وعاش وحيدا غريبا في الرباط لسنوات طويلة وعاد للغربة في بلاده من جديد ..آخر مرة التقيته كانت أثار الحزن والغربة والاحتجاج والخيبة وكان يتكلم بألم وحسرة على ماال إليه وضعنا ووضع بلادنا من نكبات وأحزان 
واضاف: اليوم يرحل الى السماء استاذنا الفذ وواحد من المواهب النادرة في عالمنا شخصية علمية ووطنية وفنية استثنائية ،اليوم يرحل من بيته في اربيل الى ربه الأعلى...وحسب المعلومات الحزينة أن الخيرين يسعون للحصول على موافقة وزارة النقل لنقل جثمانه الشريف الى بغداد او كربلاء مسقط راسه وميدان طفولته وصباه،قلبي يوجعني عليك يا استاذ..، الرحمة والعزاء
وقال الكاتب علي حسين : بدري حسون فريد فنان جاهد بعزم من اجل تقديم تعريف مرئي لفلسفته الخاصة بالمسرح. ومن الصعب اعتبار الوسائل  التي استخدمها في نشر هذه الفلسفة وسائل تقنية فقط، بل هي في المقام الأول وسائل معرفية وجمالية، وهو في كل هذا اثبت أن بإمكان الفنان سبر اغوار  العلاقة بين الوسائل البصرية والمعرفية بالمسرح بدربة ودراية ووعي اجتماعي وفكري متميز.
واضاف : سألت الاستاذ ذات يوم :  ماذا تريد من المسرح ؟ فقال :أريد مسرحاً مختلفاً .. مسرحاً بهوية جديدة تجمع بين المتعة والفكر، فأنا لا أرفض جانب التسلية في المسرحية، لكني ارى أن الترفيه المصحوب بالفكر انفع للمشاهد، وقد اثبتت التجربة التاريخية، أن المسرح رفيق الانسان، وفي اعتقادي أنه لن يموت، قديماً كنا نتصور أن الاغريق هم المصدر الأساس للمسرح،  لكننا نرى الآن المسرح في كل مكان في العالم يعتمد على التجارب الذاتية للشعوب، ولهذا أنا أرى أن المجتمع العراقي لديه مقومات مسرح عراقي متميز يقدم التفاصيل الصغيرة التي تمنحنا الأفكار أكثر مما تمنحنا المتعة، مسرحاً يقدم لنا الجمال والقبح ورائحة العالم والأحلام والأفكار.
وصيته الاخيرة
قال الفنان الراحل بدري حسون فريد في احتفالية اقيمت له بعد عودته الى بغداد :ان ودعتكم قريبا أو بعيدا فاكتبوا في وصيتي ( اني لم اغن أغنيتي بعد ) !!
الذكر الطيب للفنان للكبير