GMT 18:56:00 2017 الثلائاء 21 نوفمبر
    لا زال الاديب العراقي يعتقد انه لا يمتلك ظهيرا ثقافيا يدعمه ويحقق له طموحاته في الطبع والنشر والانتشار،وانه وحده الذي يتولى الاجراءات التي من شأنها تقديمه الى العالم الثقافي العربي والاجنبي ، فيصارع لوحده الصعوبات من اجل طبع نتاجه على نفقته الخاصة ومن ثم الترويج له حيث يعتمد على جهوده الفردية في ان يكون حاضرا في المحافل العربية على الاقل،هذه الجهود التي قد تصطدم بالعديد من المعوقات التي لا قدرة لديه على تجاوزها، وهو ما يدفعه الى التساؤل عن معنى وجود مؤسسات ثقافية مثل وزارة الثقافة التي يعتقد الكثيرون انها لا ترى حتى الجوائز التي يحصل عليها المبدعون العراقيون فلا تهتم بها ولا تسعى الى الاحتفاء بهم ، مع التأكيد على وجود تنافر حاد بين المؤسسة والمثقف الحقيقي.
 الاديب العراقي.. حينما طرحنا هذا الموضوع للنقاش كان ذا شجون عديدة وكانت الاحاديث شتى عن معاناته لانه يرى ان ابداعه يحتاج الى الكثير كي تتفتح زهوره ويشم عطورها البعيدون قبل القريبين، لكنه يشعر بالاحباط واليأس ،لذلك يطالب البعض بضرورة ان تكون هناك وقفة موضوعية بين المثقف العراقي والمؤسسات الرسمية ،لكي لا يكون حضور الابداع العراقي في المحافل العربية بجهود فردية وبغياب المؤسسات الثقافية بل ان يكون لها جهد واضح .
 
خضير الزيدي: تنافر حاد بين المؤسسة والمثقف
كان السؤال الذي طرحناه على الروائي خضير فليح الزيدي ذا شجون ويبدو انه استفزه ،فأكد وجود تنافر حاد بين المؤسسة والمثقف الحقيقي،فقال :يبدو للمتفحص الثقافي لتاريخ الثقافة العراقية، إنه سيُصدم بفكرة مفادها أن الثقافة العراقية هي ثقافة تنتعش غالبا خارج أحضان المؤسسة الرسمية، تشكيلا وبناء وصيرورة وتمثلات. بمعنى آخر أن عمر الثقافة العراقية لم تخضع مطلقا للحواضن الدولتية المؤسساتية، وثمة تنافر حاد بين المؤسسة والمثقف الحقيقي. 
واضاف: بل ذهب البعض أكثر من هذه الفكرة حين وصفها المؤرخ الفلسطيني الأصل والذي زار بغداد وعاش فيها لأكثر من مرة حين قال إن الثقافة العراقية "ثقافة مقهى" في كتابه العراق المعاصر من زمن التنوير الأول العشرينات والثلاثينات من القرن المنصرم صعودا،المقهى كان هو الحاضنة الرسمية لكل أنواع الثقافة أدبا ومعرفة ومقاربات ترجماتية وتلاقح فكري ومعرفي. كانت المقاهي الثقافية هي معقل الثقافة الحقيقية وثمة مقاه كمقهى البرارزيلية لها تقاليد حادة واتيكيت واجب لزبونها المثقف وكان يرتادها عتاة المثقفين العراقيين كالبياتي والسياب وفؤاد ونهاد التكرلي وغيرهم، وكانت مقهى البرلمان حصنا منيعا للشاعر المتمرد حسين مردان ومقهى الزهاوي ومقهى حسن عجمي، والمفارقة أن بعض مثقفي وزارة الثقافة من الادباء الرسميين يجلسون لساعات بعد الدوام في تلك المقاهي.
وتابع :ذلك الأمر ينعكس جليا في يومنا الحاضر، إذا ما اختصرنا الثقافة بالأدب والمعرفيات الفكرية والفلسفية فأن كل الأسماء التي تلقى حضورها الثقافي في الفضاء العربي والعالمي لم تكن خاضعة لوزارة الثقافة أو اتحاد الادباء بوصفهما الحاضرتين المؤسستين والرسميتين للثقافة،حتى ان الادباء العراقيين الذين يفوزون بجوائز عربية نجدهم في كل الأحوال هم نتاج الجهود الفردية والنحت الشخصي لنتاجاتهم واصداراتهم.
وأوضح : لا توجد تقاليد ثقافية عريقة في العراق لاحتضان أصحاب الفكر والادب، لا تشجيع ولا دعم ولا منح ثقافية ولا اجازات من العمل الوظيفي بوصفهم ضمائر الامة، لذلك عجزت كل الأصوات في المطالبة بإرساء قواعد ثقافية لتبني الحياة الثقافية في تذليل المصاعب وسد النقوصات الحياتية القاسية التي يعاني منها كل المشتغلين في فروع المعرفة الإنسانية. بل أحيانا يصل الأمر في تهميشهم وابعادهم عن بلوغ الطموحات المشروعة في التبادلات الثقافية العربية أو العالمية.
واضاف : في وزارة الثقافة العراقية مثلا هناك منصب لرئيس المركز الثقافي في بلدان عربية وعالمية، هذا المنصب يعطى لموظفي وزارة التعليم العالي على أن يكون حاملا لشهادة عليا، ولا يعطى إلى مثقف أو اديب،هذا الحرمان المتعمد يعكس في الخفاء عن العداء التقليدي بين المثقف والمؤسسة،خذ مثلا اتحاد الادباء للكتاب والادباء فهو يعمل بالتوافق مع وزارة الثقافة وتقزيم الابداع والمبدعين. 
وختم بالقول : على العموم ان المؤسسة الحكومية تعمل على ترسيخ فكرة أن النتاج المعرفي هو وليد الفردانية، وما المؤسسة إلا للعمل البروتوكولي والشعاراتي والتعبوي المقيت.
 
حمدان طاهر : جهود فردية 
اما الشاعر حمدان طاهر المالكي فقد اكد ان الجهود الفردية هي ما يقوم بها المثقف العراقي بمختلف اشتغالاته الإبداعية في العبور من المحلية وقال: غياب المؤسسة الثقافية العراقية بشقيها الحكومي وغير الحكومي في المحافل العربية  واضح ولايحتاج إلى مبرهنات لأثباته , ليست لدينا مؤسسات تشارك أو تساهم في صناعة المبدع , هي مؤسسات تعتمد في رؤية الحدث الثقافي  على رد الفعل وليس الفعل , فما أن يفوز أديب عراقي بجائزة عربية أو يكرم نتاج إبداعه تستيقظ هذه المؤسسة من سباتها المزمن لتزف الخبر لجمهورها وكأنها هي من صنعت الحدث.
 واضاف : هناك جهود فردية يقوم بها المثقف العراقي بمختلف اشتغالاته الإبداعية في العبور من المحلية نحو جمهور أوسع ,لكنها تبقى جهود محدودة قد يحالفها الحظ وقد تصطدم بحواجز كثيرة من قبيل المال والعلاقات وغيرها .وتابع: هناك أمل كبير بجهود حقيقية يقوم بها أفراد من مبدعين شباب قد تنهي أسطورة وسطوة المؤسسات الثقافية التي لاتهمها سوى مصالحها وعلاقتها الضيقة .. 
 
حسين رشيد : غياب الرؤية الثقافية المنتجة
من جهته اشار القاص حسين رشيد الى غياب الرؤية الثقافية المنتجة وشيوع المحسوبية عند المؤسسة الثقافية، وقال: في البدء علينا ان نعرف ان هناك محافل رسمية تتم الدعوة فيها عن طريق وزارة الثقافة او اتحاد الادباء وغالبا ماتذهب هذه الدعوات الى جهات مسؤولة في الوزارة وإدارية في اتحاد الادباء وربما تكون هناك مجاملة لأديب في محفل او مهرجان ثقافي ... وبالطبع هذا ناجم من غياب الرؤية الثقافية المنتجة وشيوع المحسوبية وهي الاخرى احد أشكال الفساد لكن بالطبع هنا علينا ان نستثني الاجتماعات الدورية لاتحاد الادباء العرب الذي يتوجب حضور اعضاء الهيئات الادارية .
واضتف : الامر الاخر.. التحسس من الاديب العراقي ونتاجه الإبداعي الذي يقف في المقدمة عربيا يضاف الى ذلك غياب دور الملحقيات الثقافية في السفارات العراقية والتي غالبا ما تشغل من قبل اقرباء السفير او اي مسؤول اخر في وزارة الخارجية او الاحزاب ، لكن هذا لإيمنع من القول ان البعض من الادباء يعانون الكسل في بناء علاقات مع مسؤولي تلك المحافل الثقافية العربية .
 وتابع :هناك بعض التواجد العراقي في مهرجانات شعرية واماسي ثقافية غير رسمية تقيمها منظمات وتجمعات ثقافية في بعض الدول العربية لكن هناك اشتراط بالدعوة ان يتحمل الاديب المدعو تكاليف السفر والنقل فيما تتكفل الجهة العربية الداعية مصاريف الإقامة والطعام لمدة لاتتجاوز الثلاثة ايام وهذا عكس ما يحدث في العراق تماما ..
 
مازن لطيف: عجز المؤسسات الثقافية
    فيما رأى الكاتب مازن لطيف السبب يكمن في عجز المؤسسات الثقافية وقال: تغيب المؤسسات الثقافية في العراق في دعمها للمبدع العراق من خلال ترشيحه لجوائز ومشاركات عربية وعالمية لانها عاجزة على ذلك وان رشحت فانها ترشيح اسماء لاتستحق .
 واضاف: المبدع العراقي يعتمد على جهوده الشخصية في الوصول الى الجوائز والمشاركات خارج العراق من خلال علاقاته الشخصية وحتى عندما يحصل المبدع العراقي على جائزة فالمؤسسات الرسمية لاتهتم بذلك اعتقد ان السبب هو ان هذه المؤسسات رسمية وتريد ان يحصل على الجائزة من داخل هذه المؤسسة
وأوضح : المبدع العراقي يعاني كثيرا حتى عندما يحصل على الجائزة او مشاركة خارجية في صعوبات امامه منها التاشيرة ووصوله للبلد المضيف 
وتابع : الدول المحترمة تفتخر بمبدعيها اما نحن فلا نهتم بهم، في نفس الوقت هناك المرتزقة  موجودون في كل مكان وزمان وميدان وانتشار هذه الظاهرة دليل على التخلف الثقافي والعلمي وانعدام الحرية ،اما ألقاب الأكاديمي والروائي والأديب وما شابه ذلك فهي مجرد ألقاب وهمية

مازن المعموري : المبدع الحقيقي في الظل
    الى ذلك اكد الشاعر مازن المعموري ان المبدع الحقيقي باق في الظل وقال: بصراحة اقول : انه بعد 2003 وحتى الان لم تعد المؤسسات الثقافية سوى عناوين تعاني من الشيخوخة والعطل , فما زالت غير قادرة على دعم المبدع العراقي بأي شيء , وعبى رأس هذه المؤسسات اتحاد الادباء الذي أسميه العجوز ،  حيث فقد تمثيله للابداع العراقي واصبح ممثلا لمحاصصة سياسية يتبارى على قيادته حزب البعث المنحل والحزب الشيوعي العراقي بصفته آخر معقل لهم حسب تصريحاتهم الانتخابية . 
وأضاف: وهذا الواقع جعل المبدع العراقي يعيش اغترابا حقيقيا , اذ ليس هناك من يدعم حضوره في المحافل الغربية والعربية على حد سواء , ففضل اللجوء الى خيارات التواصل الشخصية التي توفر الكثير من الافخاخ والمشاكل رغم نجاعتها في كثير من الاحيان , والمشكلة الاخطر هي ان هذه المؤسسات اصبحت تعيق حضور المبدع وتعمل على الاساءة له بصفته شخصا خارج المنظومة الحزبية التي تحول الاشخاص الى أناس مدجنين بالقوة , وهو ضد شخصية اي مبدع بالتاكيد ،والامثلة كثيرة , اذ ما زالت هذه المؤسسة ترسل من لا يملك المؤهلات الابداعية لتمثيلها , ويبقى المبدع الحقيقي في الظل دون عناية . 
وختم بالقول : ان المؤسسات الثقافية في العراق قد شاخت وحان الوقت لتغييرها بالمطلق , لأنها أصبحت تعمل بطريقة العصابات . 
 
محمد جبير : لابد من وقفة موضوعية
  من جهته أكد الناقد الادبي محمد جبير على ضرورة ان تكون هناك وقفة موضوعية مع المؤسسات الرسمية، وقال: بعد ان شعر الكاتب العراقي المجدّ باليأس من دور النشر العراقية والاهلية والرسمية منذ اكثر من عقد من السنوات توجه الى دور النشر العربية ليحظى بفرصة انتشار وان كانت هذه الفرصة مكلفة ماديا للكاتب،هذا التوجه هو في الاساس للتعريف بالكاتب العراقي الا ان بعض دور النشر العربية لاتهتم في الترويج لهذا الكتاب لانها قبضت الثمن مسبقا مع وضع الارباح عليه ويبقى الكتاب في ادراج مخازن دور النشر .
واضاف:انتبه الكاتب العراقي هذا الامر لاسيما من الكتاب المعروفين او ممن لديهم علاقات عربية واسعة وبحكم المتابعة للمعارض العربية ، لذلك اخذوا ومن خلال مبادرات فردية البحث عن دور النشر المتميزة وذات التاريخ المهني العريق حتى  يسهموا في انتشار الابداع العراقي ، فقد كانت مبادرات برهان شاوي وعواد علي وشاكر نوري وحميد الربيعي ومحمد حياوي  ووارد بدر السالم وخضير فليح الزيدي وعلي بدر وحمزة الحسن ودنى غالي ورغد السهيل وشهد الراوي وزينب الكناني وضياء الجبيلي وزيد الشهيد واسماء اخرى هي من ضمن المحاولات الفردية التي شقت الطريق للتعريف بالابداع العراقي على رغم من غياب كامل لدور المؤسسات الرسمية في ذلك وتاتي خطوة دار سطور العراقية ، خطوة اخرى مضافة ومعززة لهذه الجهود من خلال المشاركة في المعارض العربية للكتاب واخرها معرض الشارقة للتعريف بالمنجز الثقافي العراقي.
وتابع :هنا لابد لنا من وقفة موضوعية مع المؤسسات الثقافية المحلية متمثلة في وزارة الثقافة عبر دار الشؤون الثقافية او من خلال الاتحاد العام لللادباء والكتاب في ان يكون حاضرا وفاعلا في معارض الكتب العربية سواء عن طريق الترويج للكتاب العراقي او ايفاد مجاميع من الكتاب مع اصداراتهم الحديثة واقامة الندوات لهم في تلك المعارض ليكون الكتاب العراقي حاضرا مع الكتاب العراقي ويمكن لاتحاد الناشرين العراقيين ان نكون له المساهمة الخاصة في تسويق الكاتب العراقي.