قراءة في "التاريخ الحضاري والسياسي للشيعة في لبنان"'

1'

GMT 16:56:00 2018 الثلائاء 6 فبراير
 
"التاريخ الحضاري والسياسي للشيعة في لبنان" ـ 694 صفحة من القطع الكبير ـ إصدار دار الولاء للطباعة والنشر ـ بيروت ـ لبنان 2017 ـ للباحث الدكتور رامز رزق.. كتاب موسوعي لا تُحبَّر صفحاتُه عن الشيعة الإماميّة ـ الجعفريّة وحسب بل تُحبَّر أيضاً، ومن خلال الإضاءة على تاريخ الشيعة، لتشمل تاريخَ لبنان الحالي ككلّ مادام مكوِّنه الشيعي هو واحد من مكوّنات طائفيّة ومذهبيّة إسلاميّة ومسيحيّة.. درزيّة، سنيّة، مارونيّة، أرثوذكسيّة وغيرها. 
ونظرة على الفصول التي يضمّها الكتاب بين جناحية ويبلغ تعدادها 21 فصلاً  تؤكّد حجم العبء الذي احتمله المؤلّف لإنجاز مؤلَّفه.. ومن الفصول، مثالاً لا حصراً، منها في تعريف الشيعة وجغرافيّتهم التاريخيّة لبنانيّاً وواقِعِهم تحت حكم الصليبيين والأيّوبيين والمماليك وأثناء الحملة المصريّة على بلاد الشام ومنها حول أمراء ومشايخ أو وجهاء الشيعة ومنهم آل بشارة في جبل عامل، وآل حرفوش في جبل بعلبك، وآل حمادة في جبل لبنان.. كما عن عهد العثمانيين، ونهاية السلطنة العثمانيّة. 
ومن يقرع باب التاريخ سينفتح له ولكن أحياناً على مغاليق قد يخرج منها القارع وفي حوزته أسئلة أكثر بما لا يُقاس من الأجوبة التي حصّلها.  يؤكّد المؤلِّف في أكثر من موضع أنّ أغلب المؤرِّخين، ومن ضمنهم المؤرّخ العاملي، كتبوا على نحو مبالغ به وما هو "تركيب خرافي" يجري "فرضه على الواقع" وليس فيه "صفة من صفات الإقناع العقلي"،  وغالباً أيضأً كان "استنسابياً وليس تاريخاً حقيقيّاً"، وليس من فضيلة له "إلاّ بما يفيد عن بعض الأسماء التي اشتهرت" في زمانها. 
وأكثر المؤرّخين تجاهلوا عن عمد تاريخ أمراء الحراشفة الذين توالوا في حكم بلاد بعلبك والبقاع طيلة أربعة قرون متّصلة، وفي آن معاً هدروا الحبر هدراً تظهيراً أو تمجيداً لرجال وأمراء يقول الدكتور رامز عنهم "قد لا يساوي أكثرهم منزلة واحد من صغار أمراء الحراشفة"، وكيف الحال إذا القياس هو بالكبير "الأمير جهجاه الحرفوش" الذي أين منه حتى الأمير الشهير فخر الدين بن معن.. لتكون النتيجة المُرّة عموماً،  وكما يذكر الكاتب، "إنّ المؤرّخين كتبوا عن الصغار ونسوا الكبار". 
وها هم المؤرّخون العامليّون الشيعة أيضاً، ومثالاً لا حصراً، يكتبون عن حروب أو معارك جُلِّها "اشتباكات بين رجال الأسر في القرى والبلدات" وغالباً "بالعصيِّ والحجارة" على حقوق الرعي أو الزراعة أو الإحتطاب  وصوّروا بلا أي وجل "هذه المشاكل وكأنّها حروب كبرى". 
ولأن مصادر الباحث الدكتور رامز رزق ومراجعه رئيسيّة وتتجاوز المئة ومنها "تاريخ الأمير فخر الدين المعني" للصفدي، و"تاريخ الطائفة المارونيّة" لأسطفان الدويهي، و"سيرة صلاح الدين الأيّوبي" لابن شدّاد،  و"تاريخ الشيعة في لبنان" لسعدون حمادة، و"أخبار الأعيان في جبل لبنان" لطنّوس الشدياق، و"تاريخ الدولة العثمانيّة" لروبير مانتران.. فإنّه يرى جازماً مفارقات سيخلص منها حتميّاً إلى استنتاجات في طليعتها أن الحكم العثماني في المشرق العربي كان عدوانيّاً تخريبيّاً، أو كما يقول الكاتب أيضاً "بلاء نزل على الأمّة" لازِمَتُه المألوفة نهبُ المؤن، سلبُ البهائم، قطع الأشجار، حرق البيوت.. وتعميم الأميّة "حتى لم يبق من الشعر العربي" على سبيل المثال إلاّ "كلمات مسجّعة ليس فيها من الشعر إلاّ الإسم" و"حتى تصحّرَ العقل العربي".  
ويرى الدكتور رزق أن البويهيين والحمدانيين والفاطميين حكمهم كان مثل حكم الأمويين والعبّاسيين استبداداً والسيطرة على بيت المال "من دون تحديد صلاحيّات الحاكم الذي يحكم بنظريّة خليفة الله في أرضه" ومثل كلّ أولئك كان الحكم العثماني الذي لم يطل بطغيانه الشيعي فقط أو المسيحي فقط أو الدرزي فقط وإلى آخره بل ساوى في البطش بين الشيعي والمسيحي والدرزي والنصيري والإسماعيلي مع الكردي والأذاري والبشناق وغيرهم وهم مسلمون سنّة  "فالحقيقة التي لا جدال فيها" على حدّ تعبير الكاتب "إنّ السلطنة العثمانيّة كانت دولة عتوّ وقد ساوت في الظلم بين كلّ رعاياها، وفتكت بهم وبتاريخهم وحضاراتهم دون كثير تمييز بين الطوائف والمذاهب والأعراق"  وكذلك كان الحال مع الأمراء والشيوخ المحليين الذين كانوا في فلك الباشاوات والصدر الأعظم والباب العالي، ولم يكونوا أكثر من موظّفين سبقوا بالإعلان "باد شاهم  جوق بشا" أي "عاش مولانا السلطان" وتصارعوا في ما بينهم على السيطرة بكلّ وسيلة، ولم تكن لهم أي قضيّة اجتماعيّة أو مطلبيّة أو عمرانيّة أو إداريّة  فضلاً عن الفكريّة، كانوا معيّنين لخدمة الباشاوات العثمانيين على "إمارات هزيلة" هم ومؤرّخوهم صوّروها بأكبر من واقعها، أو كأنّها دولاً. كانوا يغزون الناس ويستولون على ممتلكاتهم ويقطعون الطرق ويتلفون الزرع ويحرقون البيادر ويزهقون الأرواح من دون تمييز أسوة برعاتهم، ويقول الكاتب "إنّ قضيّة العداء الشيعي ـ الدرزي التي يتحدّث عنها المؤرّخون في جبل عامل ليست حقيقيّة، بل يمكن اختصارها بعداوات سياسيّة بين أمراء ووجهاء وزعماء طموحين يسعى كلٌّ منهم إلى استقطاب الأزلام.. في المناطق التي يسيطر عليها" ملتزِماً من قبل العثماني. 
الأمير فخر الدين بن معن لم يقاتل على أساس مذهبي، بل على أساس توسيع نفوذ و"سكمانيّوه" أو مجنّدوه كانوا "من أبناء جميع الطوائف" وهو ذاته جعل الإفتاء في جبل عامل لصديقه الشيخ حسن بن علي الكونيني الشيعي الشهير بالحانيني الذي درس الفقه على علماء كثر ومن بينهم الشيخ مفلح الكونيني.. وذاته الشيخ حسن قال شعراً في امتداح خصال الأمير فخر الدين، وها هو أحمد باشا الجزّار كان وفيّاً للسيّد محمّد بن موسى الأمين وجعله "مفتي بلاد بشارة"، وها هو الأمير بشير الشهابي السنّي ارتكب جرائم كما بحقّ الشيعة في جبل عامل، وكما بحقّ الدروز في حوران، كذلك بحقّ السنّة في صيدا. وكذلك كان الأمير جهجاه الحرفوش ـ والحرفوش تعني المقدام أو الشجاع أو السريع الغضب  ـ حليفاً للأمير يوسف الشهابي "العائد لتوّه من مذبحة ارتكبها بحقّ الحماديّة المتاولة في جبل لبنان". وها هم متنفّذو جبل عامل الشيعة، ومتنفّذو جبل بعلبك الشيعة، لم يحرّكوا ساكناً اتّجاه ما حلّ بالشيعة عموماً في كلّ جبل لبنان، وتحديداً في جبيل والبترون.. حتى صاروا فيه تقريباً أثراً بعد عين. وها هو صراع النفوذ يحتدم بين الأمير جهجاه الحرفوش والأمير فخر الدين بن معن.. وبتحريض من الأطماع.. ومن دسائس العثمانيين.. لينتهي الأمر باستدعاء الأمير الحرفوش إلى دمشق وقتله، وباستدعاء الأمير المعني إلى الأستانة وقتله.. وقد كان الأخير أميراً على بلاد الشوف فقط، أو جبل الدروز، حتى إذا رجع من منفاه الأوروبّي وسّع عليه العثماني مناطق التزامه لتشمل بلاد الحمادية ومناطق أخرى. 
إنّ "التاريخ الحضاري والسياسي للشيعة في لبنان" هو كتاب مروحته واسعة.. تغطّي تاريخ شيعة لبنان الحديث.. في ظلّ حكومات متتالية.. وفي فترة حكم ابراهيم باشا المصري، ويسلّط أضواء على شيعة برزوا.. ومنهم المحقّق الكركي، والشيخ محمّد بن مكّي ـ الشهيد الأوّل، والشيخ زين الدين بن علي ـ الشهيد الثاني، والشيخ البهائي، كما يسلّط أضواء كاشفة على عائلات طويلاً تصدّرت الأمرة والوجاهة في جبل عامل ومنها آل بشارة، آل سودون، آل شكر، آل علي الصغير، آل منكر وآل صعب، بتعاطف مرّة.. ونقداً صارماً مرّات. يستحق أن يُقتنى وأن يُقرأ. 
Shawki1@optusnet.com.au