الفنان الدكتور ميسّر كامل: بين بساطة الأدوات ورحابة التعبير '

1'

GMT 14:53:00 2018 الإثنين 16 أبريل
 
في عيادته بدمشق كانت اللوحاتُ تغطي الجدرانَ كلَّها، وتموّه نبضها الأبيضَ الرتيب بشرفاتٍ تخطفكُ إلى عوالمَ متنوعة من الأساليب والاتجاهات الفنية التي لم يكن بينها لوحة واحدة له، مما يوحي بتواضع ممزوج بغير قليل من الخجل والانطوائية.. فنان بعيد عن الاستعراضية، تلوب روحه بحثاً عن بوابات للهرب من ضغط العمل والمشاعر، فتحطّ على ضفاف بحيرة من الألوان الصافية، تنهلُ منها مايرويها ويمدّ أجنحتها بالتوق لتمضي في سفر جديد لاتؤوب منه إلا محمّلة بأسئلة ورؤىً ثرّة، ثم تهبط مرة أخرى فوق اللوحة، واشية برحلتها البعيدة في أعماق الذات المتقوقعة في احتيال على الألم وهواجس الفكر.. ولأنّ للأزرق الحاملِ سلاسة الماء وبوحَ السماء إغراءً ونداءً لايقاوَمان عند معظم التعبيريين، لاذَ الدكتور ميسّر كامل أيضاً بالأزرق الالكترونيّ يفردُ فوق صفحته رسومَه وتأملاته وخواطره في عزلة بلورية لم تتحها له المعارض التي أقامها منفردا أو شارك بها، ويتنقّل بخفة بين صفحات الفن التشكيلي محلية وعالمية، يتابع أنشطتها بنهم المثقف وانجذاب المبدع للمشاركة بها بأعماله..
 حول التعبيرية التي ينتمي إليها وعوالم لوحاته، كان هذا الحوار:
- تطغى المرأة على معظم لوحاتك، لكنها لاتتجلى كما عند معظم الفنانين، أنثى معشوقة أو رمزا مطلقا للجمال المنشود، بل تبدو صورة عن القلق والانهاك الروحي والانشغال الذهني، كذلك تتشابه ملامح الوجوه النسائية في لوحاتك، مما يثير أكثر من سؤال هنا: أأنت أسيرُ وجهٍ واحد مهيمن لاتقوى على الفكاك من سحره وأثره، أم أنّك تسعى من خلال تأكيد الشبه إلى حثّ المتلقي على الخروج من أسر الشكل والذهاب بعيدا لاكتشاف الروح في اللوحة؟ وهل تعتبر المرأة هي الحامل الموضوعي الأقوى لتعبر عن هواجسك الشخصية؟ 
أرسمُ المرأة لا لأنقل موضوعاً جمالياً بقدر ما أريد أن أنقل مشاعري وما تراكم منها في وجداني وذاكرتي وما فعلت بها إمرأة.. أنا أكثِرُ من الإسقاط.. أسقط حالتي الشعورية و ردّات فعلي التي لا تتجاوز حدود أضلعي إلا إلى أصابعي و ريشتي و اللوحة التي أمامي.. ليست هنالك موديلات لأعمالي.. نساء لوحاتي يأتين من داخلي.. من ذاكرتي.. من أحلامي.. نساء لوحاتي ينتصرن للذات على الموضوع.. لا تكون المرأة صورة تزيينية و لا مجرد إطار مثالي، فهي ذات جمال يخصّها و تتوشح به بكامل اختياراتها الموجهة للصورة.. إنها ليست موديلاً بل هي أيقونة.. وهكذا أخرِجُ وجه المرأة من وظائفه المألوفة السطحية الديكوراتية و أعمل على الكينونة و الذات.. كل امرأة أرسمها هي امرأة محملة بهموم داخلية نفسية باحثة متأملة و غارقة في الوجود الانفعالي الحسي.. أبحث عن عمق الإنسان المرأة، ولا أبالغ في طرح الإنسان الأنثى.
 
- إذا كانت التعبيرية، التي تنتمي إليها فنيّاً، استخدمت الألوان المتكاملة النقيّة والخطوط البسيطة كرسوم الأطفال كردة فعل على الواقعية وربما الانطباعية، فإلى أي حدٍّ برأيك، نجحتْ ببث رسائلَ عميقة تناسب أزمة الذات والهوية وإشكاليات الوجود الإنساني؟ ألا تربككَ تقنياتها البسيطة وأدواتها المحدودة وأنت تحاولُ صوغ رؤى مثقلة بالوجع والحيرة أمام واقع شديد التعقيد ومتغير على الدوام؟  
   أتقشف في التفاصيل والألوان.. و يبدو الأمر للوهلة الأولى سهلاً مستحضِراً حالة أو أسلوباً طفولياً لكنه في الواقع انقلابٌ على المعايير أيّاً تكن، دون الولوج من باب التجريد.. إنني أنتهج تعبيرية تبسيطية  كردة فعل على التطويع القسري و المتدحرج للفن من التكنولوجيا.. إنه العودة إلى التمهل و الضروري.. إنه العمل ببطء بينما يتم هناك الدمج بين الرقمي و اليدوي في الواقعية و الانطباعية و الذي أنتج فناً هجيناً ذكياً لكنه غير منضبط.. أتحرر من لغة الضوء أي الظل والنور إلى لغة اللون.. بناء الصورة الرومانسية بشكل تراجيدي يعبّر عن القلق و الأزمات و بهذا أنتقل من مفهوم الكتلة إلى مفهوم الطاقة.. أنا لا أصفُ الأشياءَ بل أعبر عن معانٍ نفسية و ذهنية.
 
- بعيدا عن مقولات التعبيريين السحرية "الفطرة والعفوية مقابل التعاليم الأكاديمية، البراءة والنقاء ضد الأقنعة والغموض" التعبيرية بالنهاية لاتبالي بالموضوع، أو بالأحرى موضوعها هو إحساس الفنان.. مامعايير قراءة هذا الإحساس؟ ألن يفسره كل متلقٍّ بما يوافق ذاته، وبالتالي تضيع الرسالة جوهرُ اللوحة؟ 
الفنُّ لغته التعبير، والفنان حين يرسم لأجل أن يرسمَ فإنه أيضا يعبّرُ عن مجمل حياته، ويقدّم شيئاً يختلف عن الواقع المعاش وإن انبثق عنه، والفنان يقومُ بذلك بعبقرية وليس بأمانة.. عبقرية التعبير بعمق والتعبير بجمالية.. والتعبير الفني يكتنفه الغموض، إذ أنه لو أمكن إدراك موضوع العمل أو شكله إلّا أنه لايمكن القبض على التعبير كما القبض على مادة الموضوع، فالتعبير الذي ينطوي عليه العمل الفني قد يكون أصعب عناصره قابلية للتحليل.. فما يبوح به العمل الفني ليس بالمعنى الفعلي الذي يمكن فهمه وتأويله، إنما هو دلالة وجدانية تدرك بطريقة حدسية مباشرة، فالتعبير ليس علامة يتركها الفنان فوق عمله الفني، بل هو العنصر الإنساني الحقيقي الذي يكمن في صميم هذا العمل.. أي أنه يستخدم لغة حدسية مباشرة.. وهكذا لا حدسَ بدون تعبير.. ولا حدّ فاصل بين الحدس والتعبير.. التعبيرية إذاً ليست بالتصوير الواقعي التقريري ولا هي بالتصوير التخيلي الرومانسي.. إنها تصوير لحالة القلق وعدم الاستقرار.. إنها صورة لمزاج اللحظة مع ما يطرحه ذلك من احتمالات وسيناريوهات شتى تتعلق بذلك المزاج.. المرأة الشخص في الصورة تنظر إلى خارج تلك الصورة مع تفاصيل لا تكون محايدة بل تدخل في صميم ذلك المزاج.. الحركة في اللوحة تعطي تلميحاً أو إيحاءً عن فكرة العمل الفني.. تعابير الوجوه و حركة الأيدي تقول مضمون اللوحة وغايتها.
 
- هل التلقائية التي تتيحها التعبيرية هروبٌ راقٍ وناعمٌ من المنهجية العلمية والدقة الناظمة لعملك كطبيب؟ إلى أي حد تشعر بالتوازن وأنت تتحرك بينهما؟ وهل هناك أثر لأحدهما في الآخر؟
الطبيب الرسام، أم الطبيب والرسام، وربما الطبيب أوالرسام.. مَن من هؤلاء كان مستعداً للتضحية؟! إنه الطبيب دون أدنى شك.. كيف يمكن لي أن أكون بين نقطتي استدلال؟! الأنا هنا حيث أكون فناناً ومطلق الآخر الذي هو الطبيب، وكل مسافة بينهما، بين هذين الأقصيين هي سلفاً غير مرئية، لكنها شاسعة، إذ ليس العقل هو الذي يطير نحو السماء مثل ملاك مضاء وعلى نحو رائع.. وليست الروح هي التي تعاني تضخما، وترغب في عرض نفسها على منصة أمام الجمهور.. ليست غطرسة ثقافية، بل هي انحياز واعٍ وليس هروباً..أنحاز إلى الفنان، غير عابئٍ بالتوازن، وذلك إنصافاً له.. لقد تسيّد الطبيبُ وواجباته والدقة العلمية سنوات طويلة من عمري.. أنا لا أقول بالتخلّي عن مهنتي، لكني أريد أن أحرّر عاطفتي..
 
- هل ترى أن الفنَّ قادرٌ على الهروب من واقع الحرب الثقيل والنجاة بنفسه؟ هل يملك حياته وأفقه الخاص المنفصل عن أي وجود آخر أم يموتُ كما أشياء كثيرة؟ 
الحقيقة التي تقدّمها لنا معظمُ الحضارات على مرِّ الأزمنة هي أنّ الفنَّ يزدهرُ تحت كل الظروف، في البؤس كما في الرخاء، في الحرب كما في السلم، في الانحطاط كما في الصعود. الفن يتدبرُ أمرَه حتى في أحلك الظروف وأقساها.

- أشكرك لِما منحتني من وقت ثمين أحبُّ أن أختتمه بهذه القطعة الأدبية، والتي تشير إلى تنوّع مجالات التعبير لديك:
بينما أنتِ لاتعرفين، منذ الصباح
أكنس الثلجَ عن مدخل البيت
وأجمعُ الحطب
وأملأ القنديلَ زيتاً
وأسلق الشوندر
وأجرحُ حباتِ الكستناء
وأرتبُ الأثاث والكتب
وأشعلُ بخورا
وأجلس في زاوية الغرفة مقابل ساعة الحائط الكبيرة
بينما أنتِ لاتعرفين
أنتظرُ حضورك..